محمد الحفناوي

203

تعريف الخلف برجال السلف

لو كان سرّ اللّه يكشف لم يكن * سرّا ولكن لم يكنه ليذكرا قلت : وهذه القصيدة حسنة المعنى قدسية المبنى ، ولقد وقع الحديث معه في حديث مقتضياتها ، ونظم مفرداتها من دوحاتها ، وكان أكثر الناس إنصافا في المذاكرة ، عرض عليه قضاء بجاية فامتنع منه ، ووصل إليه كتاب المستنصر بقضاء قسنطينة حرسها اللّه فاعتذر ، وتعطف في الاستعفاء عنه ، وسمعت كثيرا من أهل العلم يثنون عليه ويقولون : إنه لم يكن في وقته بمغربنا الأوسط مثله . توفي رحمه اللّه في الثامن والعشرين لربيع الأول من عام خمسة وسبعين وست مائة ( 675 ) ، ودفن بخارج باب المرسى ، وكان له مشهد لا يكون إلا لأمثاله ، وتأريخ وفاته في رخامة وضعت لحدا على قبره ، وكتب فيها بيتان هما من نظم الأديب الفاضل أبي نصر الجيني : بكيتك عبد الحقّ حقا لأنني * بكيت بك الدّنيا وما في جميعها من الدّين والافضال والعلم والحجى * وإن كنت زين الدّين زهر ربيعها وكان رحمه اللّه أعلى الناس همة ، وأرفعهم منزلة ، وكان إذا أولى المعروف لا يذكره ، وربما من فعل معه لا يعلم أنه هو الفاعل له ، إنما قصده وصول النفع إلى الموصل إليه ، علم ذلك أو لم يعلمه ، ومن ذلك ما هو مشهور عند أصحابنا وهو أن القاضي أبا إسحاق ابن عياش ، رحمه اللّه أيام كان ببجاية ساعيا في نيل الخطة ، وعاملا على تحصيل الحظوة ، سعى في شأنه عند القاضي الجليل أبي محمد بن الطير أن يرسمه برسم العدالة ، ويقدمه للشهادة فطلبه أن يكتب فيه رسما يتأهله لذلك ، تحوطا منه فكتب رسما وشهد فيه ، وشهد معه شاهد آخر استكتمه الفقيه في ذلك ، وأعطى الرسم للقاضي فأذن له في الشهادة ، وبقي القاضي مدة بقائه بها ، وانفصل إلى إفريقية ،